الخطيب الشربيني
251
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
سورة الحشر مدنية ، في قول الجميع ، وهي أربع وعشرون آية وأربعمائة وخمس وأربعون كلمة ، وألف وتسعمائة وثلاثة عشر حرفا . بسم اللّه الرّحمن الرّحيم بِسْمِ اللَّهِ الملك الأعظم الذي لا خلف لميعاده الرَّحْمنِ الذي عمت نعمة إيجاده الرَّحِيمِ الذي خص أهل ودّه بالتوفيق فهم أهل السعادة . ولما ختمت المجادلة بأنه يعز أهل طاعته ويذل أهل معصيته تنزه عن النقائص تأييدا للوعد بنصرهم فقال تعالى : [ سورة الحشر ( 59 ) : الآيات 1 إلى 8 ] بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ سَبَّحَ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 1 ) هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مِنْ دِيارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ ما ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يا أُولِي الْأَبْصارِ ( 2 ) وَلَوْ لا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذابُ النَّارِ ( 3 ) ذلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 4 ) ما قَطَعْتُمْ مِنْ لِينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوها قائِمَةً عَلى أُصُولِها فَبِإِذْنِ اللَّهِ وَلِيُخْزِيَ الْفاسِقِينَ ( 5 ) وَما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَما أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكابٍ وَلكِنَّ اللَّهَ يُسَلِّطُ رُسُلَهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ( 6 ) ما أَفاءَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ ( 7 ) لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْواناً وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ( 8 ) سَبَّحَ أي : أوقع التنزيه الأعظم عن كل شائبة نقص لِلَّهِ الذي أحاط بجميع صفات الكمال ما فِي السَّماواتِ أي : كلها وَما فِي الْأَرْضِ أي : كذلك ، وقيل : إن اللام مزيدة ، أي : نزهه وأتى بما تغليبا للأكثر ، وجمع السماء لأنها أجناس . قيل : بعضها من فضة وبعضها من غير ذلك ، وأفرد الأرض لأنها جنس واحد وَهُوَ أي : والحال أنه وحده الْعَزِيزُ الذي يغلب كل شيء ، ولا يمتنع عليه شيء الْحَكِيمُ الذي نفذ علمه في الظواهر والبواطن ، وأحاط بكل شيء فأتقن ما أراد ، فكل ما خلقه جعله على وحدانيته دليلا ، وإلى بيان ما له من العزة والحكمة سبيلا .